الصفحة الرئيسية كتّاب كتب وبحوث منتديات English Forums البومات وصور
صوتيات ومرئيات أدوات العبادة مراكز اسلامية لائحة الملتقى شروط النشر إرسل مقالك سجل الزوار إتصل بنا
مسجد أهل البيت صدنوق دعم الأيتام والمحتاجين مدرسة الغدير العربية الفقه والتساؤلات الشرعية كتب ومطبوعات أخرى

مواقيت الصلاة:

Melbourne Sydney Canberra Perth Adelaide Tasmania Darwin Auckland Brisbane

ملتقى الشيعة الأسترالي - ASGP » الأقسام » د. سناء الشعلان


القسم د. سناء الشعلان نشر بتأريخ: 03 /09 /2019 م 09:27 صباحا
  
رواية

 يُحكِمُ دهاقنة العصر سلطتَهم على حاضرهم. فمَنْ يُحكمُ قبضتَه على الحاضرِ، يُسيطرُ تِلقائيّاً على الماضي. ومن يُسيطر على الماضي، يُهندس المستقبل بالضّرورة، ويزجُّه في عقول النّاس مؤثّثاً بما يريد هو. تحولات شاملة تكتسح الحياة المعاصرة. يختلط فيها كلُّ شيء بكلِّ شيء. حجر الزّاوية فيها، تغييب الحقائقِ، وترويج الأكاذيبِ كحقائقَ بديلة عنها. بات كلُّ شي مشكوكاً فيه. مع الضّخّ الدّائم للزّيف والوهم، تخلخلت البُنى العميقة التي تَسْنُدُ الحياة، وصارتْ منبعاً لأسئلة دون إجابات قطعيّة.

   من الطّبيعيّ أن تظهر بصمات كلّ ذلك في الإنتاج الأدبيّ، ومن الطّبيعيّ أن يكون السّرد الرّوائيّ أسرع الأشكال الأدبيّة تأثراً بهذا؛ فقد انصرفتْ الرّواية عن الخطوط التي عرفتها من قبل؛ فمن التّماسك والحقائق المستقرّة إلى تشكيلات الوهم، والزّيف، والعبث بحركة الشّخصيّات، وتشويه زمن الحدث.

    حتى غدا السّرد مشروعاً منفتحاً على أسئلة شتّى ملتبسة، والمؤلّف في  ظلالها هو المهيمن على عملية السّرد. بعيداً عن أيّ يقينيّات؛ لتصير الرّواية حاضنة لقصص متناسلة ولأجناس عديدة متجاورة

   تؤكّد الإصدارات الأخيرة للشّعلان على أنّها قد تأثرّتْ هي الأخرى كثيراً بالتّطوّرات الفاعلة في طرائق الحياة عامة وفي الآداب والفنون خاصّة.            

     وأنّها قد عبرت مراحل تطوّر كثيرة، مكّنتها من تحديث ذاتها، واقتحام موضوعات لم تكن مطروقة من قبل، فانتقتها وفق سياق الحياة الجديد، الذي لم يعد يتّسم بالسّيولة والسّلاسة. ومن خلال الرّؤى الاجتماعيّة الانتقاديّة والأشكال الكتابيّة غادرتْ وعيها التّقليديّ الذي بدأت به، عبوراً إلى وعي جديد، أفادت به من سمات الرّواية الغربيّة الحداثيّة، وما بعد الحداثة وما بعدها.

    هذه الرّواية "أدركها النّسيان" تطوير لتجربة الشّعلان الإبداعية وإثراء لها. وهي ترفض عبرها الاستسلام لاشتراطات ما بعد الحداثة في السّرد، ويبدو ما وراء القصّ واضحاً فيها في بنائها لمتون وهوامش النّصّ، استلّتْ كلّ ما يثري عمليّة السّرد بمنظور يدرك الأجمل في عمليتي التّفكيك والتّركيب. فاستفادتْ من التّكثيف الموحي ومن انفتاح النّصّ معاً، من الأسطورة والسّحر والخرافة والخيال؛ لإزاحة الحدود بين الأجناس، والتّعامل مع إشكاليّات النّصّ؛ فاستعانتْ بما يؤسّس، ويومض، ويوحي، وابتعدتْ عن كلّ ما يربك، ويعرقل مسيرة الدّلالة. كما حافظتْ على بهاء لغة قادرة على اقتناص أدّق التّفاصيل دون العبث بتشكيلاتها التي تحقّق للفنّ مهمته في دمج القيِّمِ بالجميل والمُشوِّق.  

      لقائي بالمبدعة سناء الشّعلان كان ات مساء تشريني من العام 2007م؛ إذ التقيتها صدفة في مستشفى الأردن حيث كنت أرقد مهشّماً جرّاء حادث سير قاتل في عمان. أهدتني حينها وأنا على سرير الاستشفاء نسخااً من مجموعاتها القصصيّة التي لم أكن قد قرأتها بعد.تكرّرتْ لقاءاتنا ودردشاتنا على مدار أشهر تسعة قضيتها في المستشفى، وتواصلتْ معها خارجه، وتعمّق تبصرّي في كلّ ما أبدعتْ؛ لأقول بثقة أنّ الشّعلان في كتاباتها الوطنيّة أقرب إلى غسّان كنفاني، وفي الاجتماعيّة أقرب إلى نجيب محفوظ، وتذكّرني أناقة لغتها بالمنفلوطي، وطرافة أسلوبها بالمازني.

     عبر معارج المشهد الثّقافيّ المحليّ تشعّبْت علاقتنا، وتوطّدتْ، وبتّ كلّما خيمت الدّنيا عليّ بتفاصيل تتعب روحي أجري إليها لائذاً بحرفها المسموعة والمقروءة لأستريح .

    حاصرني منذ أيّام واقع لا أجيد فهمه، فبدتْ روحي هشّة غافية على حواف انطفاء؛ لألملم عشوائياتها التقيتُ الشّعلان، وفي نهاية دردشاتنا أهدتني نسخة من روايتها الجديدة "أَدْرَكَهَا النّسيان". اعتكفتُ بعيداً، قرأتها مثنى، بل ثلاث؛ الأولى استكشافيّة، والثّانية استفهاميّة، والثّالثة للتبصّر والفهم .مع القراءة الاستكشافيّة سرعان ما وجدتُ أنّ الشّعلان -بما عُرف عنها من جرأة لافتة- قد اتّخذتْ من أجساد أبطالها داخل فضاءات ميتم حكوميّ بائس، تنكسر فيه القواعد الأخلاقيّة الصّلبة، في وطن موحش من أوطان الشّرق المقيت باستبداده، بؤراً تتجلّى فيها وعبرها الذّوات والأشياء التي تكوّن عالم النّصّ وثيماته الفرعيّة: اليتيمة النّارية الحمراء بهاء، اليتيمة هدى ضحية زنا المحارم، مديرة الميتم العانس الشّهوانيّة، المدرّس أفراح الرّمليّ صيّاد الأجساد، طريد الميتم المتمرّد سليم الضّحاك الذي صار في مدينة الثّلج الاسكندنافيّة الأديب المشهور والأستاذ الجامعيّ المرموق،  وباربارا سكرتيرته الاسكندنافيّة العاشقة.

    ترى الشّعلان في هذه الرّواية -عبر بدايات متعدّدة ولأسباب متشظّية- أنّ شهوات الجسد منطلق لتناسل الموضوعات السرديّة، وحركة كلّ الأحداث ومعطياتها، وسبب لنمو الدّلالات السرديّة. وتتبدى ثيمات القصّ الواقعيّة والمتخيّلة أغلب الأحيان من خلال منظورات التّهكّم والاتّهام والشّكّ.    وأدركتُ في القراءة الاستفهاميّة أنّ النّصّ مختلف كثيراً عما عرفتُه من نصوص الشّعلان من قبل؛ فهو بما احتوى من أنماط سرديّة وموضوعات روائيّة متجاورة، فهو نصّ مفتوح يتعالى على أحدايّة التّجنيس، ولكنّه مرتهن لحدود الرّواية. هو نصّ عجائبي لا تاريخيّ، يطرح قضايا العلاقة بين الحقيقة والخيال، ويحتفل بالأسطوريّ والغرائبيّ ليس بالمعنى الحرفيّ للأسطورة، بل بانتزاع إشارات من الواقع، تمتلك القدرة على الأسطرة بحكم هيمنة اللامعقول عليها.

   محرك الكتابة الروائيّة في هذا النّصّ هو وعي الشّعلان بمدى تطوّر العالم المعاصر وفقده لإنسانيته في الوقت نفسه، وفي سعيها الدّؤوب إلى تحرير الإنسان بالعقل، وتخليصه من قسوة سجونه الزّائفة والملفّقة؛ إذ سعتْ إلى كشف دقيق عن الحقائق التي يخفيها الواقع والعوالم المتشظّية المتساكنة في فضاءاته، ونبشتْ، وبحبشتْ عميقاً في أسس المهيمن، وكسرت قوالبه، وخرجتْ على نماذجه السّائدة، وقاربتْ على نحو مدهش التّساؤلات المركزيّة عن العوالم المتحركة التي يحيا أبطالها في دواماتها؛ ممّا زاد من معاناة المبدعة لهذا النّصّ؛ إذ إنّها كانتْ أمام مجتمع مفكّك مبعثر، تخلخل المألوف فيه، ونبت الشّكّ في ثوابته وصيروراته السّائدة المتناقضة ذات التّعقيدات المتشابكة المثقلة بهيمنة الاضطهاد والظّلم الاجتماعيّ والحبّ والشّهوة وغيرها من الارتطامات اليوميّة والانفعالات المختلطة.

    عتبة النّصّ تبدأ النّصّ بالحضور منذ أن تقع عينا القارئ على عنوانه  الذي يشي بموضوع العمل، ويحدّد مسار القراءة للمتلقّي، أيّاً كان الهدف المنوطُ بالعنوان، فإنّ قراءة متأنيّة له سرعان ما تنتهي إلى دلالات ذات أهميّة فيما النّصّ بصدده؛ فالجملة الفعلية "أَدْرَكَهَا النّسيان" تعني أنّ النّصّ مهتم بالبنية العميقة للمكان الدّاخليّ لأبطاله بحثاً عمّا تخفيه الذّاكرة لا ما يُظهره الواقع.

    واقتران النّسيان بفعل أدركها يدل على وصول النّسيان إليها أخيراً، وكأنّها لم تكن ناسية من قبل، وكأنّ النّصّ يعلن منذ البدء أنّه مقبل على إزالة المخفي من الذّاكرة ليموت. ولكن ما الذي كان يمنع الذّاكرة من النّسيان؟ وما المخفي الذي يقصده النّصّ ضمن النّسق المسيطر، هل يرمي إلى المدنّس أو المختلف عامة أو كلاهما ؟ تتقافز الإجابات في ثنايا النّصّ من المشهد الأوّل فيه، وبعد قراءتي الثّالثة المنصتة لما لم يقله النّصّ، أضيف أنّ مسار الكتابة في هذه الرّواية مسار زئبقيّ، تصعب محاصرته بطريقة تجعلنا نطمئن إلى ما يحدّده ظاهر النّصّ. فهناك روافد كثيرة في الرّواية تسهم في فتح آفاق جديدة أمام رؤية ما بعد النّصّ في بناء موازٍ قد لا يتجلّى لقارئ متعجل، يقيم فيه إنسان عربيّ غير متصالح مع شيء، يعيش داخل تركيبة تحمل بذور موتها، ويبحث عن ماهيّة حقيقيّة غير كينونته الزّائفة، ليتكشف أنّ حضوره في الحياة مرهوناً بموته، وهذا يذكّرني بنكسة 1967م.

    أمّا عن حضور القارئ في النّصّ صحيح أن النّصّ حين يخرج من يد مرسله، يصبح ملكاً لمستقبله، يمارس عليه كلّ حقوق الملكيّة، إلاّ أنّني أنصح المتلقّي بالتّحفز الواعي، وهو يجوس غيطان هذا النّصّ المرهق بحثاً عن إجابات؛ فهو أمام نصّ زئبقيّ، بؤره المتعدّدة تبقيه مفتوحاً على قراءات متأمّلة متعدّدة وعرضة للتّأويل المتنوّع.

   مفاصل النّصّ مكتظة بتفاصيل ملتبسة متداخلة ومتناصّة، ظاهرها الغرائبيّ صداميّ، تثير توتّر المؤمن بالسّائد، فيقع في حيرة تبقيه متردّداً بين تفسير متصالح مع المألوف، وتفسير خارج عليه.

  الخاتمة:

    بعد الغوص مطولاً في هذه الرّواية، وفي جلّ ما أبدعت الشّعلان، أقول برضا: اسبغوا عليها ما شئتم من ألقاب تكرّم مسيرتها: "شمس الأدب العربيّ"، أو "ايقونة الأدب العربيّ"؛ فهي في كلّ الأحوال، تستحقّ عن جدارة كلّ تكريم. فهي بما راكمتْ حتى الآن من إبداعات قد نحتت لمشروعها الخاصّ، مجرى عميقاً في المشهد الثّقافيّ العربيّ المعاصر، إلى جانب كبار أدبائنا المعاصرين، مثل: جبرا، ومنيف، والطّيب، والغيطاني، ويوسف زيدان، وحبيبي، ونذير العظمة، وفاضل العزاوي، وغيرهم من الشّوامخ.

بقلم: د. سمير أيوب

- التعليقات: 0

المشاركة السابقة
عودة الى الخلف



'

إضافة تعليق: يرجى مراعاة الموضوعية والذوق واللياقة الادبية اثناء الرد. وتحتفظ الادارة بحق الحذف أو التعديل لكل ما يخالف ذلك. وننوه بأن محتوى التعليقات لا يعبر عن رأي الملتقى أو إدارته باي شكل من الاشكال (الإدارة)

إسم الكاتب :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub  sdz 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 5000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

مواقيت الصلاة:

Melbourne Sydney Canberra Perth Adelaide Darwin Newzeland Brisbane
إعلانات الملتقى | أضف إعلانك من هنا | الإطلاع على جميع الإعلانات
 مواقيت الصلاة ملبورن سيدني  أدلايد  كانبيرا  بيرث  تاسمانيا  برزبن  دارون  تيو زيلاند  أخرى
أخبار أستراليا المحلية

داتون يتهم حزب العمال بالعمل لصالح نيوزيلندا ضد استراليا

أستراليا: تركيب كاميرات أمان متطورة للقبض على المحتالين

أستراليا تستأنف تصدير الخراف الحية إلى الشرق الأوسط رغم استمرار الانتقادات
أخبار سابقة...
الفقه والتساؤلات الشرعية
مختارات منوعة
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
كيف نتعامل مع تجربة القيادة المعصومة ... ثورة الطف انموذجا | جعفر رمضان عبد الاسدي
أين عُقد أول مؤتمر عقد لنصرة الإمام الحسين ع ، و من هي أول شهيدة ، و من هو أول جاسوس | د. صاحب الحكيم
لو تبرعت الدولة للمواطن.. بحقه | واثق الجابري
محكمة... قصة قصيرة | عبد الجبار الحمدي
قمـــر ٌ بعـــد قمـــــر | عبد صبري ابو ربيع
مقال/ حرب الجهلة والفاشلين | سلام محمد جعاز العامري
الامام الحسين | جعفر رمضان عبد الاسدي
قبسات من الطفوفِ | مجاهد منعثر منشد الخفاجي
اليوم الأسود والدموي في تاريخ الكوفة ...!!! | نهاد الفارس
من وحي ذكريات أهل الكوفة في مناسبة عاشوراء ...!!! | نهاد الفارس
مسجد الكوفة على خارطة الظهور الشريف ...!!! 2 | نهاد الفارس
مسجد الكوفة على خارطة الظهور الشريف ...!!! | نهاد الفارس
الى جريدة التلغراف (جوني عبو) | مصطفى الكاظمي
سفير الاهوار الفعل والتفاعل | يوسف الموسوي
التضامن الشعبي خلف القائد | واثق الجابري
نهضة الامام الحسين(ع) وعلاقته بالأمام المهدي(عج) / 4 | عبود مزهر الكرخي
عجز العلمانيون امام اعجاز الخطاب الاسلامي | سامي جواد كاظم
فلسفة العلي الأعلى في الحكم | عزيز الخزرجي
(الإسلام وقبول الآخر) | كتّاب مشاركون
المزيد في الإرشيف... إنقر هنا
عوائل بحاجة الى دعم: صندوق دعم عوائل الأيتام والمحتاجين
العائلة 4(أيتام) | المحتاجة سفيرة كريم ... | عدد الأيتام: 2 | إكفل العائلة
العائلة 335(محتاجين) | المريض مرتضى عباس ال... | عدد الأطفال: 5 | إكفل العائلة
العائلة 41(محتاجين) | المريضة كاظمية عبود ... | إكفل العائلة
العائلة 138(أيتام) | غالب ردام فرهود... | عدد الأيتام: 2 | إكفل العائلة
العائلة 298(أيتام) | الأرملة نجلاء كامل د... | عدد الأيتام: 4 | إكفل العائلة
يمكن ارسال مساعدة واحدة لعائلة معينة عن طريق ارسال مبلغ مع كتابة رقم العائلة باحدى طرق التبرع ادناه
المزيد من العوائل الغير مكفولة | التقارير الشهرية للصندوق
للتبرع عن طريق البي بال أو الكردت كاردأو الحساب البنكي
Bank: Westpac | Name: Australian Shia Gathering Place Inc | BSB:033284 | ACCOUNT: 281262
واحة بحرانية
تسجيل الدخول | أسم: كلمة المرور:           نسيت كلمة المرور؟

حقوق النشر محفوظة لمؤسسة ملتقى الشيعة الأسترالي