كثيرا ما يجلس على شاطئ البحر , تعتريه هالة من الهموم التي تراكمت كزبد موجه , وعادة ما ينظر إلى الأفق البعيد , يحلم بقنينة زجاج تطفو على سطحه ,
والتي يمكن أن يحظى بها كونه إنسان اختير لأن يكون شاهد أحداث , يعلم أنها تحمل بداخلها ورقة جديدة , تلك القنينة التي هامت تبحث عن ميناء للتوقف , ناشدة الحياة بطمأنينة , خاطت موانئ كثيرة , ناظرة إلى مستقبلها من بعيد , خوف ضياعها دون معرفة سر رسالتها , التي حملتها من رحم إنسان ضاع في متاهات سفر قديم , فكتب وصيته الأخيرة , إلى من يبحث عن الأمل في فضاء أفاق مائية , بعد أن استحالت علية الأفاق السماوية , ونبذت من يقطن الأرض بملذات طحنت رحاها , كل براءة الطفولة الإنسانية وسبحت في فقاعات ماء , ما أن تعلو حتى تنفجر , مخلفة صوت انفجار هواء , هاهي عيناه تهيم بحثا عن تلك القنينة , لعلها تتلمس وانسيابيتها كزورق تعب من الترحال , بعد أن سلم أمره مثلها إلى موج بحر , كتم بداخله أسرار أزمان مختلفة , قصصا لحروب , ومقبرة لأجساد , أرادت أن تجعله وسيلة في اقتناص فرص , كثيرا ما سمح لقراصنة العصور أن يرفلوا بمياهه , ومتى أحس الغبن كاد لهم , وسَخرَ أيدي الموج تتلقف السفن بلعا في باطن جوف مظلم , لتسكن مع بقيةٍ تاهت عن الصواب من عقول بشرية , وظنوا أنهم أسياد البحر , بعد أن مزقوا البر بتفاهات أحاديث ثعبانية , والتفافات عبر قنوات البقاء للأقوى , هاهي الشمس ترمي بحورياتها , وهن يجدلن شعرهن الأصفر تحضيرا لموعد ملك البحر , الذي يجلس في ليلته هذه , والتي اعتاد أن يقيمها في كل يوم , بعد تصفح آيات الله العظيمة , مخرجا الحلي والدرر من باطنه , يوزعها على من طرق بابه في كسب رزق وثروة ثم يعمد إلى تسبيحه الليلي , فترسل السماء مصابيحها دليلا لمن تاه عن السبيل , فتراه يرتمي بأحضان حوريات غسق , ناسيا هموم بشر جعلهم الله في طغيانهم يعمهون , فحادوا عن الصواب , أما هو فقد بقي على الشاطئ ينتظر محاكاة ملكك البحر , راجيا قبول طلبه والحصول على تلك القنينة , التي واكب انتظارها تقرير مصير , سمع همس نسائم بحرية تحمل رجائه , رجاء ذلك الإنسان والتمعن في طلبه , أشار ملك البحر للنسائم تركه إلى حين , سار الليل يحمل تحت جنحه أسرار كثيرة ووصايا , فعمد إلى ملك البحر في لقاء وتحديد خطوات , في اتخاذ قرار مصير زمن المستقبل , قدر الله أن يكون بين أيدي ملوك وسلاطين ذوي قوة طبيعية , فللبحر جبروته , وللظلام دسائسه , وللريح سطوته , وللجبال هولها , وللنهار نفوذه , هكذا ديدنهم كل يوم , فبعد أن أسلمت الشمس صولجان النور إلى أمير الوقت ساحة البحر , اختفت لتريح نفسها من مثقلات بشر , بقي هو ليلته على شاطئ البحر , يداعب موجات طفولية , ما أن تقترب منه حتى يحاول الإمساك بها فتهرب من بين أصابعه , وهكذا حتى ودون حسبان , أمسك فجأة بعنق قنينة الزجاج , لم يصدق نفسه هل هو حلم أم خيال ! هل استجاب ملك البحر لطلبه فأرسل ما كان يتمنى ؟ هل أقتنع ملك البحر بقضيته التي واكب الوقوف يوما بعد يوم على شاطئه ؟ مؤملا نيل تلك القنينة وما تحمله , إنها أملا وطموح بات ينتظره عمرا دون عد , كيف حصل هذا ؟! لم يشعر إلا وتساؤلات تداخلت الى جوف عقله , جعلته غير مصدق للأمر , إلا حين باغته رذاذ موج بحر ليستفيق من متاهته , أدار أصابعه حول عنق القنينة وباطنها , أحس بحيرتها وخوفها منه , لكنه طمأنها من خلال أحاسيس ومشاعر , هي فزعة من قراءة مكنونها , الذي بقي مخبئاً في رحمها , سرا حملته عبئا وتاهت به محاولة وضعه بيد من يستحقه , إن تضحيات الورقة التي بداخلها كثيرة جدا , ألتفت يمنة ويسرة , حاول فتح القنينة , لكن الظلام قد أسدل نظارته الشمسية فعزل الضياء بعيدا , أما النجوم فقد كانت لاهية بعملها كدليل , لمن اختلطت عليه دروب سفر , آه ... هناك ! تلك المنارة ففيها من النور ما يمكنني فتحها وقراءة الوصية , جرى مسرعا على شاطئ البحر , والموج يصفق له مباركا فرحته بنيل مراده , وقال له ... ها أنت نلت مرادك فأحذر , وتذكر إن معرفة الأسرار تجعلك دوما في خطر , وأعلم أيضا ان البحر بقدر ما يعطي يأخذ , هاهي بيدك الآن , فصن الوصية إذا قرأتها , كان همس الموج يطرق طبل مسامعه بقوة , لكن فرحته أنسته سماع أي شيء , وصل إلى المنارة , وعند النقطة المضيئة أخرج القنينة ليرى شكلها الحقيقي , يا الله إنك فعلا عجيبة !! وأحُس أنك تحملين ثقلاً وعبئاً , أما الآن فسأشاركك بحمله وأريح عن كاهلك هما , رافق بطنك حملا لولادة , اليوم ستكون ولادة سرك على يدي , أنني سعيد رغم عدم معرفتي بمضمون بطنك , فلا يعلم الغيب سوى الله , هكذا يحدث نفسه , كان هو يُقَلِب القنينة وشكلها الأسطوري , اقتربت أصابعه من رأسها لرفع دعامة أدخلت عنوة في أحكام غلق , لم يعر صعوبة الفتح شئناً , أردفت بضعة أفكار اقتراح كسرها , على إخراج مضمونها , لكن نفسه أبت أن تحطم كبرياء سنين وأمانة , فقال سأفتحها على مهل فقد أطبقت الأيام السدادة بعد أن طرق البحر على رأسها صعودا ونزولا ومتاهات في سير , بدا منشغلا حين أقترب منه أشخاص كانوا في المنارة , حين رأوه يعبث بشيء اقتربوا منه , شاهدوا القنينة وشكلها الغريب , قال أحدهم أنها تحوي بداخلها ورقة , ألتفت أليهم فزعاً وفجأة قال .. أنها ملكي لقد أعطيت لي من ملك البحر ضحكوا عليه , لاشك أنه مجنون , هيا أعطنا القنينة وأرحل من هنا , صرخ فيهم لا .. لا يمكنكم سرقتها مني , فقد سرق الزمن ومن فيه كل حياتي , وأًحُذِرَ من يقترب مني دنى منه آخر وأمسك به محاولا أخذها , قاومه بشدة , تدافع عليه الآخرون أوسعوه ضربا , تلقى كل ضرباتهم غير عابئ بما يحدث له , أمسك بها بقوة , ثم دفع بهم بعيدا , هرب .. جروا خلفه , سقط على الأرض , أحتضن القنينة , أفقد خوفه وضعفه شيطان الاستحواذ والفضول عندهم , تجمعت النوايا عندهم على قتله وسرقه ما بين يديه , بعد أن أدركوا إن القنينة بها سر عظيم , ولابد أن يأخذوه من هذا الرجل , فعمدوا إلى رميه على الصخر , صرخ لشدة ارتطامه , وقفوا يتفرجون عليه وهو يلفظ نفسه الأخير , نظر إلى القنينة عمد على جمع إصراره وقوته لإنقاذها , نظر إلى موج البحر صرخ بأعلى صوته , خذها بعيدا أحملها إلى أغوار ملك البحر وقل له .. أننا لا زلنا غير قادرين على الحياة , لأن زمن الغاب هو المسيطر فرمى بها أليه , تلقفها موج البحر دافعا مجدفا بيديه إبعاد القنينة لتهيم مرة أخرى في فضاءات بحر وأفاق أسرار بليل , بعيداً عن أفاق أيدي بشرية .
الكاتب / عبد الجبار الحمدي
5/5/2010 |