الرئيسية / كتابات / رضا البطاوي / الحداثة وما بعد الحداثة

الحداثة وما بعد الحداثة

الحداثة وما بعد الحداثة تعبيرات ضخمة تجعل القارىء يرى الدنيا مختلفة تجعله يحس وكأن كل شىء يتغير ويتقدم

أدخل المترجمون والنقاد المعاصرون منذ نصف قرن تعبير الحداثة وما بعد الحداثة للثقافة فى المنطقة وما زال النقاد يكتبون فى الموضوع مع أنه خطأ وما زال المترجمون يترجمون كتب ما يسمى الحداثة وما بعد الحداثة

الغريب أن من اخترعوا التسميات فى الغرب مختلفون على ماهية الحداثة وماهية ما بعد الحداثة  ومن من شخصياتهم المعروفة يدخل ضمن هذه التسمية أو تلك والغريب أن بعض نقادهم يعتبرون فلان محدث والبعض يعتبره من رواد ما بعد الحداثة والبعض يعتبره تقليديا

كتاب بيتر بروكر الحداثة وما بعد الحداثة يرصد لنا الخلاف بين الغربيين فى الماهية وهى التعريف والخلاف بينهم فى تاريخ الحداثة فبعضهم يعود بها لمنتصف القرن التاسع عشر الميلادى والبعض يحدد سنة 1910 م والبعض يحدد سنة1952 م والبعض يحدد 1968م   ويبدأ الكتاب وينتهى عبر حوالى أربعمائة صفحة دون أن يحدد شىء فهو تأريخ للمقالات المؤسسة للحداثة وما بعد الحداثة والخلافات بين النقاد

التعبير الحداثة وما بعد الحداثة هو تعبير خاطىء لأنه بنى على تقسيم العصور الأدبية زمنيا وهو ما أخذه نقاد المنطقة القدامى عندنا من ترجماتهم لكتب الأوربيين وأصبح هو المنهج الرسمى فى دول المنطقة فى التعليم الجامعى وقبل الجامعى فتجد فى مناهج اللغة العربية فى مدارسنا التقسيم الزمنى الأدبى ممثلا فى العصر الجاهلى وعصر صدر الإسلام والعصر الأموى والعصر العباسى ما بين أول وثانى والعصر المنحط أو عصر الانحطاط ويعنون به عصر المماليك والعثمانيين والعصر الحديث الذى غالبا ما يستهلونه بالحملة الفرنسية على البلد المسماة مصر حاليا أو يستهلونه  بالعسكرى محمد على وبعثاته التعليمية

   وهو تقسيم خاطىء للتالى :

لا توجد فروق واضحة بين كل عصر والأخر .

أن الجاهلية لا تقتصر على عصر ما قبل بعثة النبى (ص)وتشمل كل العصور وإن كانت صورتها تتغير من حيث القوة والضعف من عصر لأخر

أن كلمة الانحطاط تطلق إسلاميا على الكفر والعصر الموصوف بهذا لم يكن كل أدبه كفر وإنما فيه إسلام ليس بقليل ولنا أن نسأل كيف يمكن أن نطلق على نص موافق للإسلام منحط لمجرد أنه لا يدعو للفاحشة ولا يزينها ؟هذا لا يمكن قطعا

أن كلمة الحديث التى تطلق خطأ على عصرنا وبعد عدة قرون سيصبح الحديث قديم فماذا سيسمونه ساعتها  ؟ قطعا الحديث ومن ثم فهى تسمية خالية من المعنى .

أن الإسلام يقسم الأدب لإسلامى وكفرى عبر العصور لأن الزمن لا يفرق بين الآداب وإنما يفرق بينها أحكام كل دين .

الحداثة المعروفة عند الكثيرين حاليا ترتكز على كسر القوانين كما يقال وهو كلام يعتقده الكثيرون ولكن ماذا نقول عمن كسر القوانين منذ ألف سنة كأبى العتاهية الذى يروون عنه كلمة تقول :

“أنا أكبر من العروض”؟

وماذا نقول عما فعله أدباء الأندلس عندما كسروا العروض الشعرى باختراعهم الموشحات والأزجال ؟

بل ماذا نقول عن شعر الصعاليك كالشنفرى وتأبط شرا- وهم ينتمون للحقبة الأقدم التى يسمونها خطأ بالجاهلية-  الذى كسر التركيبة الموضوعية للشعر المعروفة التى تبدأ ببكاء الأطلال والرحيل

وماذا نقول عن تحطيم حكايات ألف ليلة وليلة لأركان ما يسمونها القصة والرواية؟

وماذا نقول عن المقامات ؟

وماذا نقول عن استخدام ما يسمى خطأ باللغة العامية فى شعر من يسمونهم الجاهليين مثل قول قطرى بن الفجاءة:

غداة طفت علماء بكر بن وائل                          وعجنا صدور الخيل نحو تميم

فعلماء  تعنى على ماء مثل قولنا عالماشى أى على الماشى ؟

لو سايرنا القوم فى كون شعر التفعيلة والشعر الحر كان تكسيرا للعروض فى العديد من اللغات وفى كون مسرحيات ما يسمونه خطأ العبث ورواياته هدمت قواعد المسرح اليونانى وأركان الرواية المعروفة فإن منذ بداية البشرية كان هناك من اخترعوا الحداثة وما بعد الحداثة ومن ثم فلا يمكن تسميتها حداثة ولا بعد حداثة لأن من يكسر القواعد المعروفة للناس تواجدوا فى معظم العصور إن لم يكن فى كلها

الناظر فى تاريخ الثقافة الغربية يجد أن الحداثة المزعومة موجودة فى عصور قديمة وأنه ليست سوى اختراع لأشكال غير معروفة لمعظم الناس فعلى حد قراءتى لبعض كتب اليونان المترجمة كبعض كتب أرسطو نجد الرجل يعترف أن المؤلفين خرقوا القواعد الذى يعول عليها فيقول فى كتاب فن الشعر:

-“إن وحدة الحبكة الدرامية لا تتمثل كما يعتقد البعض فى كون موضوعها يدور حول شخص واحد………ومن ثم يتضح خطأ كل الشعراء الذين نظموا ملاحم فى هرقليس أو فى أوديسيوس أو كتبوا منظومات من هذا القبيل …ومن المعلوم أن هوميروس وله فى كل شىء المنزلة الأسمى قد فهم هذا الأمر أمرا صحيحا “ص112

إذا نحن لا نتكلم عن شىء مرتبط بزمن محدد وإنما مرتبط بمعظم عصور البشرية

ومن تابع ما حدث فى الثقافة الغربية المعاصرة منذ قرن من أمور يجد أنها مجرد تغيرات فى الأشكال فمثلا الرسومات والمنحوتات تغيرت  عند البعض إلى مجرد إعادة تركيب فرسم الصورة الشخصية المسمى فن البورتريه تحول من نقل الشكل الحقيقى إلى شكل مرسوم  إلى إعادة توزيع الأعضاء على الصورة بحيث انطمست الصورة الشخصية فلم يعد هناك وجه كامل نعرف منه صاحب الشخصية فالأنف فى جهة والدماغ فى جهة وهكذا ومن الصور المعبرة التى تعبر عن كون الأمر لا يتعدى التغير الشكلى الذى قد يكون معنى مقبول أو معنى جنونى مرذول صورة لبيكاسو فى مطعم أو مخبز وقد أخفى يديه ووضع أمامه يدين من الخبز فى شكل أصابع ليس عددها كاليد الإنسانية وسمكها ليس سمك يد الإنسان ومثلا المسرحيات التى تسمى مثلا بالعبثية ليست عبثية فرغم كونها تكسر قوانين أرسطو المسرحية  إلا أنها تتناول موضوعات هادفة تماما فمسرحية فى انتظار غودو الهدف منها هو بيان خطأ مقولة المخلص أو المهدى وكونها مقولة حمقاء للضحك على العامة حتى يظلوا ساكتين على ظلم الحكام  فى انتظار شخص لن يأتى مطلقا لأن الحل فى أيديهم  

 

 

 

 

عن إدارة الملتقى

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب الاستهزاء

المؤلف أسامة العبد اللطيف والكتيب يدور حول الاستهزاء كعمل من الأعمال وكعادة القوم تحدث الرجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com